الشوكاني
106
نيل الأوطار
فليفعل قد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها ، لكن دل حديث عوف أنه يمنع ما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك ، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطا ، وقال قوم : لا تجوز الرقية إلا من العين والحمة كما في حديث عمران بن حصين : لا رقية إلا من عين أو حمة وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل محتاج إلى الرقية ، فيلحق بالعين جواز رقية من به مس أو نحوه ، لاشتراك ذلك في كون كل واحد ينشأ عن أحوال شيطانية من أنسي أو جني ، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية ، وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد أو دم . وكذلك حديث أنس المذكور في الباب زاد فيه النملة . وقال قوم : المنهي عنه من الرقي ما يكون قبل وقوع البلاء ، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه ، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما وفيه نظر ، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى كما في حديث ابن مسعود المذكور في الباب . قوله : نفث النفث نفخ لطيف بلا ريق وفيه استحباب النفث في الرقية . قال النووي : وقد أجمعوا على جوازه واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم . قال القاضي : وأنكر جماعة النفث في الرقي وأجازوا فيها النفخ بلا ريق قال : وهذا هو المذهب ، قال : وقد اختلف في النفث والتفل فقيل هما بمعنى ولا يكون إلا بريق . وقال أبو عبيد : يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في النفث وقيل عكسه . قال : وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرقية فقالت : كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك . وقد جاء في حديث الذي رقى بفاتحة الكتاب فجعل يجمع بزاقه ويتفل . قوله : بالمعوذات قال ابن التين : الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله ، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني ، وتلك الرقي المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له ، تأتي بأمور مشبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذلك الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بمردتهم ، ويقال : إن الحية لعداوتها للانسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم ، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت ، فلذلك كره من الرقي ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة ، وباللسان